« أم تي آي نيوز » المستشار صالح المرفدي
“دراسة تحليليه مقارنه”
تمهيد:
تعتبر مسألة إصدار الإعلانات أو الوثائق الدستورية الانتقالية، من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفقه الدستوري؛ لارتباطها المباشر بمبدأ سمو الدستور، واستمرارية مؤسسات الدولة في الظروف الاستثنائية. وتبرز أهمية هذه الدراسة من خلال تناولها للتوصيف القانوني لإعلان نقل السلطة الصادر في اليمن عام ٢٠٢٢، وبيان طبيعته القانونية وآثاره الدستورية، ومدى انسجامه مع قواعد الشرعية الدستورية التقليدية ونظرية الضرورة الدستورية.
وتتجلى إشكالية الدراسة في هذا الموضوع، من التداخل بين مقتضيات الشرعية الدستورية، ومتطلبات المحافظة على استمرارية الدولة، ومنع الفراغ الدستوري في المراحل الانتقالية.. وفي هذا الاطار، يثور الخلاف السياسي حول شرعية مجلس القيادة الرئاسي، بعد وفاة الرئيس السابق/ عبدربه منصور هادي، وما إذا كان من شأن وفاته أن تُعيد إحياء أحكام خلو منصب رئيس الجمهورية، وفقاً لأحكام المادة (١١٦) من الدستور اليمني، ام أن اعلان نقل السلطة الصادر من قبله في ابريل ٢٠٢٢ ينهي الخلاف المذكور؟
وفي حقيقة الأمر أن هذه مسألة دستورية وسياسية معقدة، نحاول أن نتناولها في هذة الدراسة من عدة محاور: نتطرق في الاول حول مسالة التوصيف القانوني لاعلان نقل السلطة، ثم نستعرض في المحور الثاني مشروعية إصدار الاعلانات الدستورية، ونناقش في الثالث مشروعية تفويض الرئيس هادي، ونبين في المحور الرابع التجارب العربية واليمنية، ونستعرض في الخامس موقف القضاء العربي واليمني، ونختم الموضوع بنتائج موجزه ومركزه، مع خلاصة دقيقة تتضمن بعض التوصيات الهامة، مع وضع رأينا المتواضع اثناء ترجيح اي خلاف ذكرناه في محاور الدراسة.
#المحور الاول/ توصيف اعلان نقل السلطة:
الفرع الاول/ الخلاف الفقهي:
من الناحية الدستورية والقانونية البحتة، يمكن عرض الخلاف، حول حكم اعلان نقل السلطة من الرئيس السابق هادي في رأيين:
- الراي الأول/ يرى فيه البعض أن اعلان نقل السلطة ليس إعلانًا دستوريًا؛ لأن الوثيقة لم تسمِّ نفسها “إعلانًا دستوريًا”، كما سُمي عليه صراحة “الاعلان الدستوري”، بعد دخول جماعة أنصار الله الى صنعاء، كما أن اعلان الرئيس هادي لم ينص على تعليق الدستور، أو استبداله، أو تعديل أحكامه صراحة، وإنما صدر تحت مسمى “إعلان نقل السلطة”.
- الراي الثاني/ يؤكد أصحاب هذا الراي، أنه إعلان دستوري من حيث المضمون لا من حيث الاسم؛ لأن الإعلان أعاد تنظيم أعلى سلطة في الدولة، ونقل جميع صلاحيات رئيس الجمهورية ونائب الرئيس إلى هيئة جماعية – مجلس القيادة الرئاسي – وأنشأ هيئات جديدة، ومنحها اختصاصات لم تكن واردة في دستور اليمني، وبالتالي أحدث تغييرًا في البناء الدستوري للدولة، دون المرور بإجراءات تعديل الدستور المذكورة في اخر نصوصه.
الفرع الثاني/ الترجيح:
في رأينا المتواضع، لا نميل الى أصحاب الراي الاول، ولا الى اصحاب الراي الثاني، ف الإعلان في حقيقته وبشكل دقيق ومعمق، يمثل وثيقة دستورية انتقالية ذات طبيعة دستورية استثنائية، فهو ليس مجرد قرار إداري أو جمهوري عادي، لأن أثره تجاوز ذلك بكثير، وفي الوقت نفسه، لا يعتبر إعلانًا دستوريًا كاملاً بالمعنى التقليدي، الذي يعلق الدستور ويضع نظامًا دستوريًا جديدًا.. لذلك، يمكن وصفه بأنه “إعلان دستوري جزئي، أو وثيقة دستورية انتقالية”، استمدت مشروعيتها من الظروف الاستثنائية، بالاضافة الى التوافق السياسي أكثر من استنادها إلى آليات التعديل الدستورية العادية.. وعلى الرغم من ذلك، يمكن القول بأنه أصبح المرجع الأعلى المنظم لسلطات مجلس القيادة، ويُقدَّم في التطبيق العملي على النصوص الدستورية العادية التي قد تتعارض معه خلال المرحلة الانتقالية.
الفرع الثالث/ أهمية التفرقة:
يكمن الفرق بين الوثيقة الدستورية الانتقالية والاعلان الدستوري في ثلاثة أمور: الاول، من حيث الصدور/ الاعلان يصدر عادة عند سقوط النظام الدستوري، أو تعطيل الدستور كليًا أو جزئيًا، بينما الوثيقة تصدر لتنظيم مرحلة انتقالية، مع الإبقاء على الدستور أو جزء كبير منه. والثاني، من حيث الاحلال/ الاعلان يحل محل الدستور ويعلو عليه صراحة، بينما الوثيقة تكمل الدستور أو تعدل بعض أحكامه مؤقتًا. الثالث، من حيث المحتوى/ الاعلان – غالبًا – يتضمن قواعد دستورية واسعة وشاملة، بينما الوثيقة – غالبًا – تقتصر على معالجة أزمة أو وضع استثنائي محدد. الرابع، المبرر/ الاعلان يستند إلى الشرعية الثورية أو الاستثنائية، بينما تستند الوثيقة – عادة – إلى التوافق السياسي أو الشرعية الانتقالية.
الفرع الرابع/ موقف الحالة اليمنية:
بالنسبة للحالة اليمنية، فنرى أن اختيار صيغة “إعلان نقل السلطة”؛ باعتبارة وثيقة دستورية مكملة، كان صائبا وأكثر ملاءمة من إصدار إعلان دستوري صريح؛ بحسبان انه ما زال هناك دستور نافذ – دستور ١٩٩٠ وتعديلاته – ولم يكن الهدف من اعلان نقل السلطة هو إسقاط الدستور النافذ، بالاضافة الى ان إصدار إعلان دستوري صريح، قد يُفهم باعتباره إلغاءً أو تعليقًا أو تجميدًا للدستور النافذ، مما يثير جدلًا واسعًا حول الشرعية، لذلك نجد ان إصدار إعلان نقل السلطة أقرب إلى التوافق السياسي في جوهرة، أما من ناحية النظرة الدستورية، فهناك من يجادل بالعكس؛ والسبب أن إعلان نقل السلطة أحدث تغييرات دستورية جوهرية، كنقل جميع صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس جماعي، وإلغاء منصب نائب الرئيس عمليًا، وإنشاء هيئات جديدة، واختصاصات جديدة، بالاضافة الى تعديل طريقة ممارسة السلطات العليا في الدولة، وهذه أمور تتجاوز في طبيعتها مجرد قرار رئاسي عادي، فالإعلان تجنب تسمية نفسه “إعلانًا دستوريًا”؛ حفاظًا على استمرارية الشرعية الدستورية وعدم الظهور بمظهر إسقاط الدستور، لكنه في الوقت نفسه مارس آثارًا قريبة من آثار الوثائق الدستورية الانتقالية والمكملة.
وخلاصة القول، من الناحية السياسية، كان إختيار تسمية “إعلان نقل السلطة” أكثر قبولًا، وأقل إثارة للجدل من تسمية إعلان دستوري، اما دستوريًا، فكان من الممكن أن يكون الوضع أوضح لو نُص صراحة على أنه “وثيقة دستورية انتقالية أو إعلان دستوري انتقالي”، مع تحديد علاقته بالدستور، ومدته، ونطاق تطبيقه.. ولهذا نجد أن الجدل الذي أستمر بعد صدوره، لم يكن حول مشروعية نقل السلطة نفسها، بقدر ما كان حول التكييف القانوني للإعلان، هل هو قرار رئاسي؟ أم وثيقة دستورية انتقالية؟ أم تعديل دستوري غير مباشر؟ وتأسيسًا على ما تقدم، فأن الوصف الأقرب للإعلان ما هو الا وثيقة دستورية انتقالية محدودة النطاق والمدة، – كما ذكرنا سابقا في الترجيح! – وإن سُمّي إعلان نقل سلطة، فالعبرة في الفقه الدستوري تكون غالبًا بالمضمون والآثار القانونية أكثر من التسمية!
#المحور الثاني/ مشروعية الاعلانات الدستورية ومن في حكمها:
الفرع الاول/ الخلاف الفقهي:
في الفقه الدستوري دائما ما تثور اشكالية حول مدى صحة إصدار اعلان دستوري – ومن في حكمه من وثيقة دستورية مكمله – في الحالات الاستثنائية او الضرورية التي تعيشها البلدان، فهل يستوجب النص في دساتيرها على جواز اصدار إعلانات دستورية لهذة المبررات؟
في الفقه الدستوري يوجد مذهبين:
- المذهب الاول/ يرى أن أي إعلان دستوري ومن في حكمه، يجب أن يستند إلى نص دستوري قائم؛ لأن الدستور هو أعلى قاعدة قانونية، ولا يجوز تجاوزه إلا بالآليات التي رسمها هو نفسه.. وبالتالي، إذا خلا الدستور من نص يجيز إصدار إعلان دستوري استثنائي، فإن الإعلان يُعد خروجاً على الشرعية الدستورية التقليدية.
- المذهب الثاني/ وهو المذهب الأكثر حضوراً في الواقع السياسي العربي، “واليمني على وجه التحديد”، ويقرر أن الظروف الاستثنائية قد تُنشئ “شرعية ضرورة” أو “شرعية توافق سياسي”، فيجوز إصدار إعلان دستوري حتى دون نص سابق في الدستور النافذ؛ إذا كان الهدف منع إنهيار الدولة، أو سد الفراغ الدستوري، أو انتقال السلطة، أو إنهاء نزاع داخلي.
الفرع الثاني/ موقف الحالة اليمنية:
بالعودة الى الهدف من اعلان نقل السلطة في اليمن، والذي يعد بمثابة وثيقة دستورية مكمله ومؤقته، – وان حدث تعارض بينهما، فترجح نصوص الوثيقة على الدستور؛ للضرورة الاستثنائية، كما هو متعارف عليه في تجارب الدول التي أصدرت وثائق دستورية مكملة في ظل سريان دساتير تلك الدول – فالملاحظ في الحيثيات الواردة في مقدمة اعلان نقل السلطة، انه تضمن الاستناداً على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وبمقتضى المادة التاسعة من الالية، والتي نصت على ضرورة اتخاذ كافة التشريعات اللازمة؛ لتنفيذ الضمانات الواردة في المبادرة، وأهمها تلبية طموحات الشعب في التغيير والإصلاح، وإزالة عناصر التوتر سياسياً وأمنياً في تلك المرحلة الصعبة، فقد تم إنشاء بموجب هذا الإعلان مجلس قيادة رئاسي؛ لاستكمال تنفيذ مهام المرحلة الانتقالية، وبالمقابل، لا يعني هذا آن عمل المجلس يبقى هكذا الى ما لانهاية، بالمخالفة لمبادئ تزمين الوثايق الدستورية، لذلك، نص اعلان نقل السلطة في المادة (٨) على أنتهاء ولاية مجلس القيادة، وفقاً للحل السياسي الشامل، وإقرار السلام الكامل في كافة أنحاء الجمهورية، أو عند إجراء الانتخابات العامة وفقاً للدستور الجديد، وتنصيب رئيس الجمهورية.
#المحور الثالث/ مشروعية التفويض:
الفرع الاول/ الخلاف الفقهي:
للإجابة على التساؤل السابق والمطروح في التمهيد، نجد أن الوضع يختلف بحسب الأساس الذي تُبنى عليه شرعية مجلس القيادة الرئاسي.. – وبصرف النظر عن الأمور السياسية – فمن الناحية القانونية والدستورية، يمكن عرض الخلاف في اتجاهين:
- الاتجاة الأول/ لا يسقط شرعية مجلس القيادة بوفاة الرئيس هادي، وهذا الاتجاه يبدو آنه الأقوى دستوريا، ويستند إلى أن الرئيس هادي نقل صلاحياته بموجب إعلان نقل السلطة الصادر في أبريل ٢٠٢٢ إلى مجلس القيادة، هذا النقل اعتُبر تفويضاً ونقلاً للاختصاصات، وليس مجرد وكالة شخصية كغيرها من الوكالات المدنية قابلة للانتهاء بالوفاة.. ومن هذا المنطلق، بعد صدور قرار نقل السلطة أصبح المجلس يمارس السلطة بذاته ككيان مستقل، وأكتسب اعترافاً داخلياً وخارجياً، وهنا الشرعية أصبحت قائمة على الإعلان أو القرار المنشئ للمجلس، ومؤيد بالاعتراف المحلي والإقليمي والدولي، وعلى ضوئها مارس مجلس القيادة السلطة الفعلية دون أعتراض.. وبالتالي، فإن وفاة الرئيس هادي – على هذا التصور – لا تُنهي تلقائياً وجود المجلس، لأن الاختصاصات أنتقلت له بالفعل، ولم تعد مرتبطة ببقاء المفوِّض حياً.
- الاتجاة الثاني/ يسقط شرعية مجلس القيادة الرئاسي، مؤسسا رأيه على أن نقل السلطة تم بوكالة من الرئيس هادي، ومن ثم اعتُبر المجلس مجرد وكيل، وهذا رأي يطرحه بعض فقهاء القانون الدستوري أو بعض الخصوم السياسيين، و مؤداه، إذا كان مجلس القيادة مجرد مفوض من الرئيس هادي وليس سلطة أصلية، فإن وفاة الأصيل تنهي التفويض وفقا لقواعد الوكالة في القانون الخاص، وهذا أمر متعارف عليه قانونًا.
الفرع الثاني/ الترجيح:
في تقديرنا المتواضع، أن ما يُؤخذ على حجج الاتجاه الثاني، بأن السلطة العامة لا تُدار غالباً بقواعد الوكالة المدنية العادية، فالقرارات السيادية والدستورية لا تنقضي تلقائياً بوفاة من أصدرها؛ إذا كانت قد أنشأت مركزاً دستورياً جديداً، وكان هذا المركز معترف ومتعامل به دوليا.. علاوة على أن اعلان نقل السلطة حكمه حكم الوثيقة الدستوريه المكملة كما ذكرنا، الذي طالما يصدر في الحالات الاستثنائية والضرورية لتجارب الدول السابقة، والتي شهدت صراعات داخلية قد تصلها رحاها الى حروب اهليه، ثم أن المتعمق بالالفاظ والعبارات المذكورة في اعلان نقل السلطة، يتضح له أن المادة الاولى فقره “أ” من الاعلان، نصت صراحة على الاتي: “وأفوّض مجلس القيادة الرئاسي بموجب هذا الإعلان تفويضاً (لا رجعة) فيه بكامل صلاحياتي وفق الدستور والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية”، ويستفاد من هذة الفقرة، أن التفويض صدر من دون رجعة، ومن ثم تكون هذة العبارات قد قطعت الشك باليقين، واصبح معه هذا التفويض نهائيًا، ولا يصح لمن أصدره الرجوع عنه في حياته، ومن باب اولى لا ينتهي بوفاته.. ولهذة المبررات، نميل – في تقديرنا المتواضع – الى ترجيح ما ذهب اليه مؤيدي الاتجاة الاول؛ باعتبار أن المجلس يمارس سلطة مستقلة مستمدة من قرار نقل السلطة أليه، ومن الاعتراف السياسي والدولي، لا من مجرد وكالة مدنية شخصية قابلة للانتهاء بالوفاة، فضلا على آن فكرة مجلس القيادة الرئاسي، أصبحت مركزاً دستورياً مستقلاً بعد إنشائه، وليس مجرد وكيل عن الرئيس!
وينبغي الاشارة في هذا الخصوص، ان اعلان نقل السلطة تضمن ضرورة صدور للائحة منظمة لأعمال مجلس القيادة، وعلى هذا الاساس، لا يجوز للائحة أن تخالف الدستور، أو إعلان نقل السلطة؛ لأن اللائحة أدنى مرتبة منهما في التدرج القانوني، فإذا اعتبرنا إعلان نقل السلطة وثيقة دستورية انتقالية، فإن الترتيب يبقى على النحو الآتي: الدستور اولا – فيما لم يُعطل أو يُعدل – ثم إعلان نقل السلطة، ثم اللائحة المنظمة لأعمال المجلس.. وعليه لا يجوز للائحة أن تنشئ صلاحيات جديدة لم يمنحها إعلان نقل السلطة، ولا تلغي أو تقيد صلاحيات قررها الإعلان لأعضاء المجلس، او تعدل قواعد التصويت أو تشكيل المجلس على نحو يخالف الإعلان، ومن باب اولى، لا يجوز لها ان تعدل أحكام الدستور أو توقف العمل به؛ بحسبان ان هدف اللائحة هو تنظيم المسائل الإجرائية والتفصيلية التي لم يبينها الإعلان، كتحديد آلية انعقاد اجتماعات المجلس، وإجراءات التصويت، واتخاذ القرارات، واختصاصات رئيس المجلس وأعضائه في العمل اليومي، وتنظيم الأمانة العامة واللجان المساعدة، بالاضافة الى إجراءات إدارة شؤون المجلس والتنسيق بين أعضائه!
#المحور الرابع/ موقف تجارب الدول السابقة:
*الفرع الاول/ الموقف العربي:
في هذا المقام من الأهمية التطرق لتجارب دول مختلفة، جرى فيها إصدار إعلانات أو وثائق أو ترتيبات دستورية مكملة او انتقالية، رغم أن الدساتير النافذة لم تكن تنص أصلاً على جواز إصدار مثل هذه الإعلانات، وغالباً كانت تلك الحالات مرتبطة بثورات أو انقلابات أو حروب أهلية أو فراغ دستوري أو انهيار مؤسسات الدولة.. ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
- في مصر بعد ثورة 2011: وبعد سقوط نظام مبارك، عُطّل العمل بدستور 1971، وأصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة إعلاناً دستورياً في مارس 2011، بالرغم ان دستور 1971 لم يكن يتضمن نصاً يجيز للمجلس العسكري إصدار إعلان دستوري جديد يحل محل الدستور، ومع ذلك أكتسب الإعلان شرعيته من السيطرة الفعلية على السلطة، وقبول قطاع واسع من القوى السياسية، والاستفتاء الشعبي على بعض التعديلات.
- في ليبيا سنة 2011: بعد إنهيار نظام القذافي أصدر المجلس الوطني الانتقالي “الإعلان الدستوري المؤقت”، ولم يكن هناك نص دستوري سابق يخول إصدار هذا الإعلان، واستند الإعلان إلى شرعية الثورة والاعتراف الدولي.
- في السودان: التي مرت مراحل انتقالية متعددة، خصوصاً إعلان 2019 بعد سقوط البشير، والوثيقة الدستورية الانتقالية، إذ لم يكن دستور السودان السابق ينص على آلية من هذا النوع، لكن تم اللجوء إلى ترتيبات انتقالية قائمة على التوافق السياسي، وموازين القوى، والضرورة الانتقالية.
- في تونس بعد ثورة 2011: وبعد تعليق العمل بدستور 1959، صدرت مراسيم وتنظيمات انتقالية ذات طبيعة دستورية، وجرى تأسيس “الشرعية الانتقالية” دون سند صريح من الدستور القديم.
- في العراق بعد 2003: وبعد سقوط النظام السابق، صدر “قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية”، لم يكن ذلك مستنداً إلى دستور 1970 العراقي، بل إلى واقع الاحتلال وإعادة بناء الدولة.
الفرع الثاني/ الموقف اليمني:
تطبيقا لما تقدم تحديداً، فقد صدرت العديد من التشريعات ابرزها: “أبتداء بالمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، مرورا باتفاق السلم والشراكة، ثم اتفاق الرياض، وانتهاءًا بإعلان نقل السلطة سنة ٢٠٢٢”، فكل هذة لاتفاقيات والمبادرات، تدخل في حكم الوثايق الدستورية المكملة تارة والانتقالية تارة أخرى – وهي مجموعة من المواد القانونية , تنظم أمور إدارة سلطة الامر الواقع؛ في حال تعذر تطبيق كل او بعض نصوص الدستور، ويسمح للسلطة الحاكمة بحكم البلاد بصورة قانونية، وإصدار قوانين تسهل أوجه الحياة في البلد؛ حتى استقرار اوضاع البلد، و وضع دستور جديد – ولم تستندا الى نص دستوري يمنح سلطة الامر الواقع بإصدار “إعلان أو وثيقة دستورية” بهذا المعنى، وإنما استندتا إلى حالة الضرورة السياسية والدستورية، بالاضافة الى التوافق الداخلي والإقليمي، وكذا الاعتراف الدولي، والأهم من هذا إستمرار مؤسسات الدولة في التعامل معها كأساس شرعي انتقالي.. ولذلك، نرجح وصف تلك التشريعات، بأنها “تشريعات الضرورة، صادرة من سلطات شرعية ضرورية”، أكثر من كونها تطبيقاً حرفياً لنص دستوري قائم.. على أن تبقى نصوص الدستور الاساسي سارية النفاذ والالزام، ماعدا بعض النصوص الدستورية التي تتعارض مع نصوص الاعلانات او الوثائق الدستورية المكملة او الانتقالية، كل ذلك تطبيقا للمادة (٩) من اعلان نقل السلطة، كما يجب الأخذ بالحسبان في التمييز بين الشرعية الدستورية والشرعية السياسية والدولية، فمجلس القيادة قد يُنظر إليه دستورياً بطريقة مخالفة، بينما نهمل عملياً الاعتراف السياسي والإقليمي والدولي للمجلس، وهذه نقطة محورية في فهم الحالة اليمنية!
#المحور الخامس/ موقف القضاء العربي واليمني:
الفرع الاول/ موقف القضاء العربي:
مواقف الأقضية والمحاكم العربية من “شرعية الضرورة” أو الإعلانات آو الوثائق الدستورية الاستثنائية ليست موحّدة، لكنها غالباً تميل عملياً إلى الاعتراف بالأمر الواقع؛ متى استقر وأصبح أساساً لإدارة الدولة، مع بقاء التحفظ النظري على خرق الدستور.. ومن أبرز الاتجاهات القضائية العربية:
- القضاء المصري: والذي يُعد من أكثر التجارب وضوحاً في هذا المجال، فقد تعامل القضاء المصري – خاصة المحكمة الدستورية العليا ومجلس الدولة – مع الإعلانات والوثائق الدستورية التي صدرت بعد 2011؛ باعتبارها أعمالاً ذات طبيعة دستورية وسيادية، وأنها أصبحت جزءاً من النظام الدستوري القائم بعد قبولها واستقرار العمل بها، أي أن القضاء المصري لم يُسقطها لمجرد عدم وجود نص سابق يجيزها، بل نظر إلى قيام سلطة انتقالية فعلية، واستقرار النظام الجديد، وتحوله إلى أساس للحكم.
- القضاء السوداني: في الفترات الانتقالية غالباً اتجه القضاء إلى التعامل مع الوثائق والإعلانات الانتقالية كمرجعية دستورية نافذة، ولو كانت وليدة تسويات سياسية أو أوضاع استثنائية؛ وذلك لتجنب الفراغ الدستوري وشلل مؤسسات الدولة.
- القضاء التونسي: بعد ثورة 2011، تعاملت المحاكم مع التنظيمات الانتقالية؛ باعتبارها تأسيساً دستورياً انتقالياً مشروعاً؛ بحكم الضرورة والثورة، رغم خروجها عن دستور 1959.
الفرع الثاني/ موقف القضاء اليمني:
بحسب المتداول والمنشور من الواضح انه لا توجد أي سوابق قضائية يمنية حاسمة ومفصلة، تنظّر بصورة مباشرة لنظرية “شرعية الضرورة” كما في بعض الدول الأخرى، لكن التطبيق العملي أظهر أستمرار القضاء اليمني والسلطات العامة في التعامل مع المبادرة الخليجية والآليات الانتقالية كمرجعيات نافذة، وعدم إهدارها قضائياً لمجرد مخالفتها للإجراءات الدستورية التقليدية.. وفي الاجمال، – ومع عدم وجود طعون دستوريه او ادارية حول هذا الموضوع – فأن موقف القضاء اليمني، يمكن تلخيصه في أنه لا يحبذ نظرياً الخروج على الدستور، لكنه عملياً يميل إلى الاعتراف بالترتيبات الانتقالية؛ إذا أصبحت أساساً مستقراً لإدارة الدولة؛ ويبرر ذلك بمبادئ إستمرارية الدولة، أو منع الفراغ الدستوري، والمحافظة على النظام العام.. أي أن القضاء اليمني تبنى عملياً فكرة “الشرعية الواقعية المؤقتة”؛ متى ما كانت ضرورة لحماية كيان الدولة، مع التأكيد أنه لا توجد – بحسب المتاح والمنشور – أحكام قضائية يمنية فاصلة، تناولت إعلان نقل السلطة نفسه، حتى لا يفهم القارئ أن هناك سوابق قضائية مباشرة بشأنه!
وقبل آن نختم هذة الدراسة، لابد أن نتطرق الى نقطة جوهرية، فقد يثير البعض آن مجرد وجود الرئيس هادي في الرياض قبل إصدار إعلان نقل السلطة وأثناءه وبعده، يمكن اعتباره تحت الاقامة الجبرية.. ونجيب من الناحية القانونية المجردة: “يان الإقامة الجبرية واقعة مادية، تحتاج إلى دليل يثبت تقييد حرية الشخص ومنعه من الحركة، أو التواصل، أو اتخاذ القرار بإرادته الحرة.. وبناء على ذلك، وللتأثير على شرعية إعلان نقل السلطة، يلزم إثبات أحد الأمور الآتية: أن يكون الرئيس هادي محتجزاً أو مقيد الحركة فعلاً، او ان يكون الإعلان قد صدر نتيجة إكراه مادي أو معنوي جسيم، وان يعزز ذلك بوجود أدلة مباشرة أو قرائن قوية، توكد على عدم قدرته على رفض القرار أو تعديله…أما إذا كان مقيماً في الرياض بموافقته، ويعقد اجتماعات فيها، ويصدر قرارات، ويجري اتصالات رسمية، ويستقبل مسؤولين، ويظهر علناً بصفته رئيساً – وهو ما كان يتم بالفعل – فإن مجرد الإقامة خارج اليمن أو داخل السعودية، لا يكفي قانوناً لإبطال قراراته… وعملا بما سبق، فإن القول بأن إعلان نقل السلطة غير شرعي بسبب “الإقامة الجبرية”، يظل ادعاءً سياسياً، ما لم يقترن بأدلة قانونية تثبت الإكراه أو انعدام الإرادة وقت إصدار الإعلان، أما من دون هذه الأدلة، فسيبقى الإعلان صحيحاً من حيث الأصل القانوني!
#الخاتمة:
اولا/ نتائج الدراسة:
١- توصلنا الى أن إعلان نقل السلطة، لا يمكن اعتباره قراراً إدارياً أو جمهورياً عادياً، بالنظر إلى آثاره الدستورية الواسعة.
٢- أتضح من خلال الدراسة، أن الوصف الأقرب للإعلان، هو وثيقة دستورية انتقالية أو إعلاناً دستورياً جزئياً محدود النطاق والمدة.
٣- وجدنا أن العبرة في التكييف الدستوري، تكون بالمضمون والآثار القانونية، أكثر من التسمية الشكلية للوثيقة.
٤- تبين أن الفقه الدستوري المقارن، يعترف في الظروف الاستثنائية بمفهوم “شرعية الضرورة أو الشرعية الانتقالية”؛ لتجنب الفراغ الدستوري.
٥- توصلنا الى أن التجارب العربية المقارنة، شهدت صدور إعلانات ووثائق دستورية انتقالية دون سند صريح من الدساتير القائمة.
٦- اتضح من خلال الدراسة، أن مجلس القيادة الرئاسي أستمد شرعيته من إعلان نقل السلطة ومن الاعتراف السياسي والعملي اللاحق به، لا من قواعد الوكالة المدنية التقليدية!
٧- تبين لنا أن وفاة الرئيس هادي لا تؤدي – وفق الرأي الراجح – إلى سقوط شرعية مجلس القيادة الرئاسي أو زوال اختصاصاته!
٨- اوضحنا أن القضاء المقارن، وكذلك التطبيق العملي في اليمن، يميلان إلى الاعتراف بالترتيبات الدستورية الانتقالية بصفه إدارية؛ متى أصبحت أساساً مستقراً لإدارة الدولة ومنع الفراغ الدستوري، مع تاكيدنا على عدم وجود سوابق قضائية، فصلت في طعون موجهه ضد اعلانات او وثائق دستورية انتقالية او مكمله
ثانيا/ التوصيات:
لما تقدم ذكره يمكن ان نضع بعض التوصيات، نوجزها بالآتي:
١- نوصي الالتزام بضوابط وشروط اللجوء إلى شرعية الضرورة وحالات تطبيقها، سواء كانت باصدار اعلانات دستورية ام وثائق دستورية مكمله او انتقالية!
٢- نرى أن تقييد أي اعلان او وثيقة دستورية انتقالية او مكمله، بالشروط والضوابط الاتيه: الضرورات الطارئة والاستثنائية، وان تكون مؤقتة، وفي نطاق محدد، ولاهداف واضحة، مع خضوعها لرقابة القضاء، وبحيث لا تمسّ حقوق وحريات المواطنين الدستورية!
٣- نقترح ان ينص الدستور صراحة على العلاقة بين الوثائق الانتقالية والدستور النافذ عند حدوث التعارض.
٤- حث الاطراف السياسية في اليمن مع الدول الاقليمية الراعية الى الإسراع في استكمال متطلبات التسوية السياسية الشاملة والعودة إلى الشرعية الدستورية الطبيعية.
٥- من المستحسن الاستفادة من التجارب الدستورية المقارنة في إدارة المراحل الانتقالية وتفادي الفراغ الدستوري.
والله أعلم واعلى، وفوق كل ذي علم عليم!
اللهم أرحم الرئيس هادي، وأغفر له، وتجاوز عن سيئاته، وأجزه بخير ما عمل، وأسكنه فسيح جناته، وانا لله وانا اليه راجعون.
#خلاصة الدراسة:
ان مسالة إصدار اعلانات آو وثائق دستورية مكملة او انتقالية، دون وجود نص دستوري بذلك، تبقى محل جدل دائم، فهناك من يعدّها ضرورة لإنقاذ الدول، وآخرون يرونها خروجاً على مبدأ سمو الدستور وسيادة الشرعية الدستورية، ومن جانبنا، نرجح الاتجاه أو المذهب الوسط، الذي يقول أن الأصل هو سمو الدستور وعدم جواز تجاوزه، لكن في حالات الانهيار الكامل، أو الحرب، أو الفراغ الدستوري، قد تصبح “شرعية الضرورة” مقبولة مؤقتاً؛ لإنقاذ الدولة؛ بشرط أن تكون انتقالية ومحدودة وليست مفتوحة؛ ومبررات هذا الترجيح؛ تنحصر في أن التمسك الحرفي بالدستور أثناء إنهيار مؤسسات الدولة، قد يؤدي إلى فوضى أشد، ومن ثم يصبح خطرا على كيان الدولة نفسه؛ ولأن القانون الدستوري وُجد أساساً لحماية الدولة والمجتمع، فإذا تعذر تطبيقه كلياً، جاز اللجوء إلى حلول استثنائية مؤقتة.. لكن في المقابل، عدم ترك الباب مفتوحاً لأي سلطة لتجاوز الدستور؛ بحجة الضرورة؛ بحسبان أن يتحول هذا التهديد إلى قاعدة دائمة – لا استثناء – تشرعن واقع غير مشروع.. لذلك، فان الضابط الأدق، هو أن تكون الشرعية الاستثنائية مؤقتة، ومرتبطة بضرورة حقيقية، وهدفها العودة للنظام الدستوري الطبيعي لا إحلاله نهائياً، مع تاكيدنا إن استمرار مجلس القيادة الرئاسي لا يستند فقط إلى إعلان نقل السلطة، بل أيضاً إلى مبدأ استمرارية الدولة واستقرار المراكز الدستورية التي نشأت بموجبه.
نتشرف بمتابعة دراساتنا وابحاثنا على الرابط التالي:
=========================

