الجمعة, مايو 1, 2026
الرئيسيةتقاريرالسعودية تراهن برهان خطير في جنوب اليمن

السعودية تراهن برهان خطير في جنوب اليمن

« أم تي آي نيوز » مركز سوث24 | د. عبد الجليل شائف

“إن الاستراتيجية الأكثر تماسكًا للرياض تتمثل في الاعتراف بالمجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل لا غنى عنه — وإن لم يكن مثاليًا. وينبغي في الوقت ذاته تقليل الاعتماد على شركاء ذوي توجهات أيديولوجية غامضة، والأهم من ذلك مواءمة سياسة اليمن مع الموقف الإقليمي الأوسع للمملكة العربية السعودية.”

قد تكون المملكة العربية السعودية بصدد ارتكاب خطأ استراتيجي في اليمن، وهو خطأ ينطوي على خطر تمكين القوى التي طالما عارضتها. ففي جنوب البلاد، تعيد الجهود الرامية إلى تهميش المجلس الانتقالي الجنوبي تشكيل المشهد السياسي حاليًا. ومن المرجح أن المستفيد لن يكون سلطة محايدة أو تكنوقراطية، بل حزب الإصلاح، وهو حركة ترتبط على نطاق واسع بجماعة الإخوان المسلمين ومتغلغلة منذ فترة طويلة داخل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. وهذا أمر ينبغي أن يثير القلق في الرياض.

لقد كان للمجلس الانتقالي الجنوبي عيوبه الخاصة. فهو في الوقت الراهن منقسم داخليًا وربما يعاني من حالة من عدم التنظيم نتيجة للتدخل السعودي، كما أن سجله في الحوكمة محل تساؤل، ويُعقّد سعيه نحو استقلال الجنوب الهدف المعلن للسعودية المتمثل في الحفاظ على وحدة اليمن. لكنه في الوقت ذاته يُعد أحد القوى المنظمة القليلة في جنوب اليمن التي تحظى بدعم محلي حقيقي، وتمتلك هياكل أمنية فاعلة، وتتخذ موقفًا ثابتًا ضد التوسع السياسي الإسلامي. إن تقويضه دون بديل موثوق لا يُعد استراتيجية، بل مقامرة كبيرة.

منذ اتفاق الرياض عام 2019، ركزت السياسة السعودية على الحفاظ على تماسك التحالف المناهض للحوثيين، وغالبًا ما كان ذلك على حساب الاتساق. وقد تطلب ذلك استيعاب فصائل مرتبطة بحزب الإصلاح، رغم معارضة المملكة الأوسع على المستوى الإقليمي للحركات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين. وكما أشار فريق الأزمات الدولية مرارًا، فقد فشل الاتفاق في إنتاج هياكل قيادة موحدة أو ترتيبات حكم مستدامة. وكانت النتيجة تناقضًا في صلب السياسة السعودية: مواجهة النفوذ الإسلامي إقليميًا، مع التسامح معه — بل وفي بعض الحالات تمكينه — داخل اليمن.

تُظهر التطورات الأخيرة في حضرموت كيف يتجلى هذا التناقض على الأرض. فقد وسّعت قوات موالية للمجلس الانتقالي الجنوبي وجودها في أجزاء من المحافظة، واشتَبكت مع وحدات موالية للحكومة، يرتبط بعضها بحزب الإصلاح. وقررت السعودية معارضة توسع المجلس الانتقالي، واستخدمت سلاحها الجوي لدفع هذه القوات إلى التراجع والخروج من حضرموت. ويقدم تاريخ اليمن الحديث تحذيرًا واضحًا. فقد توسعت الشبكات الإسلامية بشكل كبير بعد الوحدة عام 1990 وخلال حرب 1994، وتمكنت من ترسيخ وجودها داخل مؤسسات الدولة. وكما تُظهر تحليلات مركز كارنيغي للشرق الأوسط، فقد أثبتت هذه الشبكات قدرة عالية على التكيف واستغلال ضعف الدولة.

لطالما ارتبط حزب الإصلاح بالسياسة السعودية. فقد كان فاعلًا سياسيًا رئيسيًا منذ الوحدة، وحافظ على علاقات وثيقة مع الرياض، لا سيما خلال الحرب ضد الحوثيين. غير أن هذا النمط يواجه خطر التكرار اليوم في ظل ظروف دولية أكثر خطورة بكثير. وما يجعل هذه اللحظة أكثر حساسية هو التحول في الموقف الدولي تجاه الحركات المرتبطة بالإخوان المسلمين — وخاصة في الولايات المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن واشنطن لم تصنف جماعة الإخوان المسلمين ككل كمنظمة إرهابية أجنبية. لكن السياسة تتحرك بوضوح في هذا الاتجاه. ففي 2025–2026، بدأت الولايات المتحدة في تصنيف فروع محددة من الجماعة كمنظمات إرهابية وشرعت في عمليات تصنيف أوسع. كما قدم الكونغرس مرارًا تشريعات مثل “قانون تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية”. والأهم من ذلك، في أبريل 2026، بدأت واشنطن مراجعة رسمية لما إذا كانت ستصنف حزب الإصلاح اليمني وأكثر من 160 كيانًا تابعًا له.

حتى قبل التصنيف الرسمي، تجد الولايات المتحدة نفسها بالفعل في تناقض خاص بها: فهي تعمل مع حكومة يمنية تضم شخصيات من حزب الإصلاح، بينما تزيد في الوقت ذاته من تدقيقها على الشبكات المرتبطة بالإخوان. وكما أشار أحد التحليلات الحديثة، فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها فعليًا “في نفس الجانب” مع حزب الإصلاح ضمن التحالف المناهض للحوثيين في اليمن. ومن غير المرجح أن يستمر هذا الغموض. وهنا تبدأ المخاطر بالنسبة للسعودية في التضاعف — وتمتد إلى ما هو أبعد من اليمن.

التعرض الاستراتيجي المتزايد للسعودية

  1. توترات مع الولايات المتحدة والحلفاء الغربيين

صنّفت السعودية رسميًا جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية في عام 2014. ومع ذلك، فإن سياستها في اليمن تعتمد بشكل متزايد على فاعلين مرتبطين بنفس الشبكة. لم يعد هذا التناقض يمر دون ملاحظة في واشنطن. فقد أثارت مناقشات حديثة بين مشرعين أمريكيين ومسؤولين سعوديين بالفعل مخاوف بشأن تعاون الرياض مع فاعلين مرتبطين بالإصلاح. وإذا تحركت الولايات المتحدة نحو تصنيف رسمي أو توسيع العقوبات، فقد يسبب ذلك صداعًا للرياض. فمن جهة، قد تخضع المؤسسات اليمنية المدعومة سعوديًا للتدقيق؛ ومن جهة أخرى، قد تواجه التعاونات الاستخباراتية ومكافحة الإرهاب بين الولايات المتحدة والسعودية شروطًا سياسية جديدة؛ وثالثًا، قد يتم تقييد أو التحقيق في الشبكات المالية المرتبطة بفاعلي التحالف. وبذلك، تخاطر السعودية بالوقوع بين استراتيجيتها في اليمن وأهم شريك أمني لها.

  1. احتكاك مع الحلفاء الإقليميين — وخاصة الإمارات

تتخذ الإمارات العربية المتحدة — أقرب شركاء السعودية إقليميًا — موقفًا أكثر تشددًا بكثير تجاه جماعة الإخوان المسلمين، وقد صنّفتها بالفعل كمنظمة إرهابية. وهذا التباين ليس نظريًا. فقد أدى بالفعل إلى توترات على الأرض في اليمن، حيث اشتبكت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتيًا بشكل مباشر مع وحدات موالية للإصلاح. ويشير محللون إلى أن اليمن ساهم في توسيع الفجوة الاستراتيجية بين الرياض وأبوظبي. وإذا استمرت السياسة السعودية في تمكين الإصلاح، فقد يضعف التنسيق السعودي–الإماراتي بشكل أكبر، وقد تتصاعد صراعات الوكلاء في جنوب اليمن، والأسوأ من ذلك، قد يتآكل تماسك التحالف ضد الحوثيين.

  1. فرص لخصوم إقليميين

كما يخلق عدم اتساق السعودية فرصًا لمنافسيها. فإيران قد تستفيد من تفكك التحالف المناهض للحوثيين، بينما قد تجد قطر وتركيا، اللتان أبدتا تاريخيًا تعاطفًا أكبر مع الحركات المرتبطة بالإخوان، مساحة أوسع لتوسيع نفوذهما. والأهم أن الشبكات الإسلامية نفسها تزدهر تحديدًا في مثل هذه البيئات المجزأة والغامضة. وبعبارة أخرى، فإن ما يبدأ كحل تكتيكي في اليمن قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية أوسع.

الحقيقة غير المريحة هي التالية: قد لا يتوافق المجلس الانتقالي الجنوبي مع الرؤية طويلة المدى للسعودية لليمن، لكن استبعاده من المعادلة السياسية لا يؤدي إلى جنوب أكثر استقرارًا أو اعتدالًا. بل قد يؤدي إلى العكس. فالفراغ في جنوب اليمن لن يبقى فارغًا. بل سيتم ملؤه — وعلى الأرجح من قبل فاعلين يتمتعون بتنظيم أيديولوجي أقوى، وشبكات أعمق، وانضباط سياسي أكبر. وهذه هي البيئة التي ازدهرت فيها تاريخيًا الحركات المرتبطة بالإخوان المسلمين.

لم تعد سياسة السعودية في اليمن مجرد قضية محلية أو إقليمية. بل أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بسياسة الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، وبالتنافسات الخليجية، وبالمستقبل الأوسع للإسلام السياسي في المنطقة. ومع أخذ ذلك في الاعتبار، فإن الاستراتيجية الأكثر تماسكًا للرياض تتمثل في الاعتراف بالمجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل لا غنى عنه — وإن لم يكن مثاليًا. وينبغي في الوقت ذاته تقليل الاعتماد على شركاء ذوي توجهات أيديولوجية غامضة، والأهم من ذلك مواءمة سياسة اليمن مع الموقف الإقليمي الأوسع للمملكة العربية السعودية.

ورغم أنه لا يزال هناك وقت لتعديل المسار، فإن القيام بذلك يتطلبه الاعتراف بحقيقة بسيطة: وهي أن التناقضات في السياسة الخارجية لا تبقى محصورة، بل تتوسع — فتُعيد تشكيل التحالفات، وتمكّن الخصوم، وتخلق مخاطر يصعب السيطرة عليها. وفي جنوب اليمن، هذا خطر لا تستطيع السعودية تحمّله.

=========================

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات