أم تي آي نيوز » كتب » د. عيدروس نصر ناصر النقيب.
ما تزال قضية الهوية تبرز بين حين وآخر لتتصدر حديث ناشطي التواصل الاجتماعي والمواقع الألكترونية الصحافية الحزبية والمستقلة اليمنية والجنوبية بصورة خاصة، كقضية تستحوذ على متابعة واهتمام أوساط غير قليلة من أفراد المجتمع وناشطيه، وتبرز هذه القضية في إطار الحديث عن الهوية الجنوبية اتصالاً بالتفاعلات التي تشهدها الساحة الجنوبية صعوداً وهبوطاً، ابتهاجاً وامتعاضاً، رضىً وغضباً، تأييداً وتنديداً.
كثيرون من الذين يتناولون موضوع الهوية، والهوية الجنوبية على وجه الخصوص يتحدثون عن أشياء كثيرة متعددة ومتشعبة، لكنها تتعلق بقضايا أخرى هي جزئيات في الهوية الجنوبية وغالباً لا علاقة لها بالهوية، ويعتقدون أنهم بذلك يتحدثون عن الهوية الجنوبية أو يعززون حضورها أو يدافعون عنها.
لكن وبعيداً عن كل هذا لا بد من التوقف عند النقاط الحقائق التالية والمتعلقة بجوهر ومضمون الهوية ومن ثم الهوية الجنوبية:
- إن الهوية هي مفهوم سيسيولوجي وفلسفي وأنثروبولوجي، سياسي وثقافي شديد التعقيد ولا يمكن حصر تعريفه من خلال إطار ضيق من المفردات والمحددات.
- إن الهوية ظاهرة تاريخية متحركة متغيرة؛ تنشأ وتنمو وتتطور وتزدهر وهي قابلة للتوسع والتمدد والاتتساع مثلما هي قابلة للتراجع والانكماش والتضيق والشيخوخة بل والاضمحلال والاندثار، ولا توجد هوية محددة بقالب ثابت وجاهزة وأزلية لكل الأزمنة والأمكنة.
- إن ولادة الهوية -أية هوية- ونموها واتساعها أو ضعفها وانكماشها واضمحلالها واندثارها يرتبط بعوامل ومحددات اقتصادية واجتماعية وثقافية وتاريخية، لا يمكن التحكم بها إرادوياً أو من خلال قرارات سياسية أو تنفيذية تنطلق من رغبة فرد أو حزب أو أي كيان اجتماعي أو سياسي.
وبمعنى آخر إن الهوية لا ترتبط بالإرادة والرغبة والتوجه السياسي وحده، لكن هذا العنصر يمكن أن يعمل على تعميق عوامل نمو الهوية وتجذيرها أو إضعافها وتدميرها، بوعي أو بدون وعي.ِ
ولمعرفة جوهر القضية التي نتحدث عنها، لنتوقف عند التعريف الذي يقدمه علم الاجتماع السياسي لمفهوم الهوية، فهذا المفكر الفرنسي أليكس ميكشيللي وهو من أكثر الذين تعرضوا لقضية الهوية يعرفها على إنها ” منظومة متكاملة من المعطيات المادية والنفسية والمعنوية والاجتماعية تنطوي على نسق من عمليات التكامل المعرفي” 1.
و كان كاتب هذه السطور قد توقف عنده بعمقٍ وتوسعٍ نسبيين في كتاب “القضية الجنوبية وإشكالية الهوية” الصادر في طبعتين من القاهرة عامي 2023-2024م، حيث جرت الإشارة إلى أن “الهوية هي معنى الحياة بكل ما تمثله ككينونة فردية باتصالها بالمحيط السياسي والاجتماعي، وهي تشمل ما يربط الفرد بالمجتمع من وشائج ومصالح اقتصادية ومعيشية مشتركة وتطلعات وآمال وعواطف ومشاعر مشتركة وما تحمل هذه الكينونة من قيم ومثل مشتركة بما في ذلك العادات والتقاليد والأعراف والضوابط والمعايير الأخلاقية والثقافة الشعبية المشتركة التي تكونت عبر القرون، والتي تشمل جميع أفراد التجمع البشري موضوع التناول” 2.
أما المحددات الأساسية للهوية فقد لخصها الباحثون المتتبعون لموضوع الهوية في النقاط الأساسية التالية:
- الموقع الجغرافي المشترك لأصحاب الهوية الواحدة.
- الذاكرة التاريخيّة والوطنية المشتركة.
- الثقافة الشعبيّة الموحّدة.
- الحقوقٌ والواجباتٌ المشتركة.
- الاقتصاد المشترك. 3
بيد إن كاتب هذه السطور يرى أن كل هذه العناصر ستظل غير مستوفية ما للهوية من معاني ما لم ترتبط بوجود نظامٍ سياسي يوحِّدُ أصحاب الهوية الواحدة، وما لم تعبر عن المصالح المادية والمعنوية المشتركة التي تجمع أصحاب الهوية الواحدة ببعضهم.
وعن موضوع الهوية الجنوبية فإن الحديث عنها يستدعي أكثر من وقفة وأكثر من مجرد مقالة صحفية بل وأكثر من كتاب، حيث إن العديد من التفاصيل المتصلة بالهوية الجنوبية في سياقاتها التاريخية والثقافية والنفسية والاجتماعية والسياسية لا يمكن التوقف عندها في مقالة قصيرة كهذه، لكن كاتب هذه السطور قد خصص قسماً كاملاً من أربعة فصول من كتاب “القضية الجنوبية وإشكالية الهوية ” 4.
ويمكن تلخيص موضوع القضية الجنوبية ومعانيها وأبعادها من خلال الحقائق التالية:
- إن الهوية الجنوبية لم تنشأ في يوم واحد أو في لحظة تاريخية واحدة، لكنها تخلقت ونمت وتطورت وبلغت ما بلغته من التبلور والوضوح في سياق عملية تاريخية متطاولة تعود إلى نهايات النصف الأول من القرن العشرين عند بداية نشوء الحركة النقابية والأحزاب السياسية والمؤسسات الإعلامية والحركة التعليمية في عدن والمكلا ولحج وأبين وبقية عواصم السلطنات والإمارات التي سميت في ما بعد بإمارات الجنوب العربي.
- لقد تخلقت الهوية الجنوبية من خلال مجموعة من الهويات، أو بذور الهويات الأصغر وهذه الهويات لم تكن لتعبر عن هوية واحدة لمسمى “الجنوب العربي” وفي هذه الجزئية لا بد من الإقرار إن مسمى “الجنوب العربي”، كان مسمىً جغرافياً مثله مثل “الخليج العربي” أو “اليمن” أو “الشام” أو “شمال أفريقيا”، وهذا المسمى يختلف عن مسمى “اتحاد الجنوب العربي” الذي لم يعمر أكثر من تسع سنوات ولم يشمل كل سلطنات وإمارات “الجنوب العربي” المتعارف عليها حتى نوفمبر 1967م.
- لقد مثل إعلان الاستقلال الوطني في الثلاثين من نوفمبر 1967م بداية نوعية لتجذر هوية جديدة تشمل كل أبناء الدولة الجديدة التي امتدت على المساحة الجغرافية الواقعة بين حدود سلطنة المهرة السابقة شرقاً مع أرخبيل سقطرى حتى حدود منطقة الصبيحة وباب المندب غرباً مع أرخبيل حنيش وجزر كمران وميون ، وجاء ذلك تتويجاً لما ألمحنا إليه من عملية تطور واتساع وتعمق بنية الهوية الجنوبية التي بدأت عند منتصف القرن العشرين.
- إن نشوء الهوية واكتمال بنيتها لم يكن نتاجاً لإجراءٍ إداريٍ أو قرارٍ سياسيٍ واحد في لحظة من اللحظات لكنه يمثل عملية متواصلة معقدة ومتداخلة، لا يمكن الحديث عن لحظة بدئها أو اكتمالها إذ هو عملية مستمرة لا تتوقف، وهي تتصل بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية والثقافية للمجتمع موضوع البحث، وهذا ما ينطبق على الهوية الجنوبية.
والسؤال الذي ينبغي التوقف عنده هو: هل استطاعت حرب العدوان على الجنوب في العام 1994م أن تستأصل الهوية الجنوبية؟
لم أكن أرغب في التوسع في الموضوع، لكن لا بد من استكمال اللوحة لتوضيع معاني وأبعاد ما نقصده بالهوية الجنوبية، فنظام 7/7 ظلَّ يركِّز على إن الهوية الجنوبية هي الهوية اليمنية، لكنه كان يعمل على استئصال عوامل ومقومات الهوية الجنوبية من أجل اقتلاعها من وعي المواطنين الجنوبيين، وذلك من خلال محاولة طمس المعالم الثقافية وتشويه الذاكرة التاريخية، والقضاء على المصالح الجنوبية التي نشأت في ظل الدولة الجنوبية، والتشهير بأجزاء واسعة من التاريخ الجنوبي المشرق وطمس وتغييب الجزء الأكبر منه، لكن ماذا كانت النتيجة؟
لقد أثمرت كل هذه الحرب المتواصلة على الهوية الجنوبية عكس ما أراده المحتل، فلأول مرة صار الجنوبيون يتحدثون عن هويتهم بتشبث وإصرار، وصار الحديث عن التمسك بالهوية الجنوبية عنواناً رئيسياً في الخطاب السياسي الجنوبي المعارض لنظام 7/7م، لكن ما سعى إليه ذلك النظام هو محاولة تغذية الهويات الصغيرة من خلال إذكاء النزاعات المناطقية والقبلية وتشجيع الانتماءات الصغيرة على حساب الانتماء إلى الوطن الجنوبي الكبير، بيد إنه وحتى في هذه الجزئية أخفق في الوصول إلى ما كان يسعى إليه، وجاءت الثورة الجنوبية السلمية، والمقاومة الجنوبية المسلحة لتعيد إدماج الجنوبيين في هويتهم الكبيرة التي لا هوية لهم سواها.
وفي الختام لا بد من القول إن الهوية الجنوبية، التي نشأت وتبلورت واتسعت وتجذرت خلال ما يربو على ثلثي القرن باقيةٌ ولم تنمحِ ولن تندثر ولا يمكن القضاء عليها أو استبدالها بقرار سياسي أو بإجراء إرادوي، لكنه يمكن صيانتها وتعميقها بمزيد من تعزيز عوامل التلاحم والاندماج والتناغم الجنوبي وبناء المصالح المشتركة بين أبناء الجنوب والنضال معاً من أجل الأهداف الجنوبية الكبرى التي تشعر كل الجنوبيين بالانتماء إلى هذا الكيان الكبير المسمى الجنوب.
أما تشكيل الهيئات واستدعاء المكونات واستحضار العلاقات التي تجاوز الزمن الكثير منها فهو لا يضيف ولا يستنقص من إرادة ملايين الجنوبيين في النضال من أجل قضيتهم الكبرى المتمثلة باستعادة دولتهم والشروع في بناء مستقبلهم الجديد المحتلف عن كل ما أراده له أعداء الجنوب أرضاً وشعباً وهويةً وتاريخاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ - أليكس ميكشيللي، الهوية، دار الوسيم دمشق، ترجمة د. علي وطفة، الطبعة الأولى، 1993م، ص 7.
2 . د. عيدروس نصر ناصر، القضية الجنوبية وإشكالية الهوية، يسطرون للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الثانية، ص 74-75 - نفس المصدر ص 75
- نفس المصدر ص 63-120
