« أم تي آي نيوز » كتب: جهاد محسن:
حين تغيب الحكمة وتسقط المهنية
حين تفقد بعض المنابر الإعلامية بوصلتها الأخلاقية، لا يبقى أمامها سوى الانزلاق نحو اللهجة (السوقية)، والفبركات الرخيصة، وتسويق المزاعم الواهية التي لا تصمد أمام أبسط معايير الحقيقة.
وهذا ما بات يطغى للأسف، على أداء الإعلام السعودي في حملته الممنهجة ضد رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس قاسم الزبيدي، في مشهد يعكس أزمة مهنية وفكرية أكثر مما يعكس قوة حجة أو صدقية موقف.
لقد سخرت إمكانيات ضخمة، وجيشت أقلام وكتائب إلكترونية، لا لعرض حقائق أو مناقشة مواقف بموضوعية، بل لتشويه الرموز وبث خطاب الكراهية والتضليل، غير أن الصدمة الكبرى لهذا الإعلام كانت في وعي الشعب الجنوبي، الذي كسر تلك الرهانات، وأفشل حسابات بنيت على أوهام، وأثبت أن إرادة الشعوب أقوى من حملات التشويه مهما بلغ ضجيجها.
لم يكن متوقعا أن ينحدر خطاب إعلامي محسوب على دولة بحجم السعودية إلى هذا المستوى من الذم والشتم والكذب الصريح، في تجاهل مؤسف لقيم الحكمة والعقلانية التي طالما قدمت بوصفها ركيزة في خطابها السياسي والإعلامي. فالإعلام حين يفقد اتزانه، يتحول من أداة توعية إلى وسيلة تحريض، ومن منبر رأي إلى سكين مسموم في خاصرة الأخلاق.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لم يراع حق الجوار، ولا صان مبدأ الأخوة، ولا احترم روابط العقيدة والمصير المشترك، بل اندفع بدون وعي في محاولة بائسة لكسر “ظهر السند”، مستخدما خطابا حادا وأدوات تشويه، في وقت التزمت فيه دولة الإمارات الصمت الراقي، ورفضت الانجرار إلى مستنقع الردود، إيمانا منها بأن الأخلاق أعلى من المهاترات، وأن المكانة تصان بالعقل لا بالنعيق.
ورغم كل ما كتب وقيل، من شتم وتدليس، ظن مروجو هذا الخطاب أنهم حققوا انتصارا إعلاميا، ونسوا أن الانتصار الحقيقي لا يقاس بعدد التغريدات ولا بحجم الحملات، بل بمدى الالتزام بالقيم المهنية، وبالقدرة على احترام الخصوم قبل الحلفاء، فالأخلاق والقيم المهنية حين تكون حاضرة، تمنع أصحابها من الانحدار إلى مستوى الرد على الابتذال بالابتذال.
إن ما يثير التساؤل حقا، أن تصدر هذه الهجمة الإعلامية المأزومة عن صحفيين وصحف وشخصيات سياسية، يفترض أنها تمثل “نخبة”. غير أن ما ظهر إلى العلن كان، في جوهره، حالة من الغليان غير المحسوب، كشفت انتكاسة فكرية وأزمة خطاب، وأسقطت آخر أوراق التجميل عن مشهد إعلامي اختار أن يخسر احترامه، قبل أن يخسر ثقة المتلقي.
في النهاية تبقى الحقيقة ثابتة، الإعلام الذي يتخلى عن المهنية، ويخاصم القيم، لا يصنع رأيا عاما، بل يصنع فضيحة أخلاقية مؤجلة. أما الشعوب فذاكرتها أطول من الحملات، ووعيها أعمق من الفبركات، والتاريخ لا يرحم من استبدل الحكمة بالضجيج، والصدق بالتضليل.

